فخر الدين الرازي
9
تفسير الرازي
فكيف حال من لا يعلم ، واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن ، ثم اختلفوا فيمن هم الذين لا يعلمون على وجوه . أولها : أنهم كفار العرب الذين قالوا : إن المسلمين ليسوا على شيء فبين تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنصارى وهم يقرأون الكتب لا ينبغي أن يقبل ويلتفت إليه فقول كفار العرب أولى أن لا يلتفت إليه . وثانيها : أنه إذا حملنا قوله : * ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ) * على الذين كانوا حاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، حملنا قوله : * ( كذلك قال الذين لا يعلمون ) * على المعاندين وعكسه أيضاً محتمل . وثالثها : أن يحمل قوله : * ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ) * على علمائهم ويحمل قوله : * ( كذلك قال الذين لا يعلمون ) * على عوامهم فصلا بين خواصهم وعوامهم ، والأول أقرب : لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله : * ( كذلك قال الذين لا يعلمون ) * يجب أن يكون غيرهم . أما قوله تعالى : * ( فالله يحكم بينهم ) * ففيه أربعة أوجه . أحدها : قال الحسن : يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار . وثانيها ؛ حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب . وثالثها : يريهم من يدخل الجنة عياناً ومن يدخل النار عياناً ، وهو قول الزجاج . ورابعها : يحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه والله أعلم . * ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِى خَرَابِهَآ أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى الاَْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) * اعلم أن في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : أجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط والجزاء ، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن الله يفعل به كذا بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد وسعى في خرابها ، ثم أن الله تعالى جازاهم بما ذكر في الآية إلا أنهم اختلفوا في أن الذين منعوا من عمارة المسجد وسعوا في خرابه من هم ؟ وذكروا فيه أربعة أوجه . أولها : قال ابن عباس :